السودان ومحكمة الجزاءات الدولية
دعونا أولاً نسلم:
أن السيد عمر البشير ليس أكثر إجراماً من سيد الإليزيه ( نيكولاي ساركوزي) الذي أسبغ حمايته، وعاد حاملاً في طائرته مجموعة عصابة ( آش دو لا زويه) التي ضبطت متلبسة بخطف أطفال السودان لقيادتهم إلى المصير المجهول.
وليس أكثر دموية من بلير وبراون وكلينتون وبوش الذين أمطرت وتمطر طائراتهم ودباباتهم وبوارجهم العذاب للأبرياء، وتقتل سياساتهم الفقراء على امتداد هذه الكرة الأرضية التي تكاد تفرقع من التخمة في جانب وتنبعج من الفقر في الجانب آخر.
ودعونا نسلم أيضاً:
بأن القوة (الناعمة) ليست في أيدينا، وحتى ما كان متوافراً منها قد تبخر وتلاشى لأسباب ولسياسات وممارسات عديدة يعرفها السيد نائب رئيس الجمهورية، الذي هو نفسه يقتضي منه الحذر أن (يبل رأسه) في نفس الوقت الذي يفكر فيه في حماية رأس رئيسه ورؤوسنا.
وحتى ما كان متوافراً من القوة الناعمة لزعيم العراق (المهيب) من تحالفات مع الاتحاد السوفيتي وروسيا، وعلاقات متينة مع الرئيس ميتران، ومصالح عديدة مع ألمانيا، وتأييد وخطب مجلجلة من الرائد (يونس)، لم تستطع حماية صدام من (عاصفة الصحراء) ولم تستطع حماية الشعب العراقي من الانحدار إلى المصير المشئوم.
بالمثل، دعونا نسلم بأن (القلم) ليس في أيدينا الآن، وأن "سور الصين" أعظم وأعلى كثيراً من حماقاتنا، وأن (حق الفيتو) لم يصمم أصلاً إلا لصالح ومصالح الأقوياء، وأن التسويات يتم خصمها غالباً -إن لم يكن دائماً- من حساب الضعفاء، وأن عظمة وفيتو روسيا لم تستطع حماية ميلسوفيتش وكارديتش، وأن سور الصين، وإيفيل فرنسا قد لا يفلحان في حماية بشيروفيتش وخليلوفيتش وعثمانوفتش.
ومعلوم أنه حتى محكمة الجنايات التي قامت بإنشائها المنظمات الحقوقية أساساً لحماية الشعوب -التي لا ظهر لها- من سياط الحكام، تمت السيطرة عليها من قبل الأقوياء، ويتم توظيفها بمعايير مزدوجة ليدرج في قوائمها، ويقف في ساحة "البطان" ويركز ليجلد أمام الملأ فقط الضعفاء من "الزعماء" أو "المتمردين" ممن أفلحوا في تخريب أوطانهم وبيوتهم بأيديهم وأيدي "المؤمنين".
ومعلوم أن لا مصلحة ولا قدرة لنا على مواجهة أو مجابهة ما يسمى بالدول الكبرى أو دول "الاستكبار" حتى لو أعددنا لهم كل ما نستطيع وما لا نستطيع من قوة ومن رباط الخيل، وحتى لو تسلحنا بالشهب الراصدة وبالطير الأبابيل، وحتى لو تولت إدارة شؤون بلادنا حكومة عسكرية يرأسها (مشير) ..
تظل عضلات السادة "الاستكباريين" أقوى، وعيونهم أبصر، وأياديهم أطول، تضربنا في أم رأسنا ونحن نتلفت ببلاهة مذهولين لا ندري من ضربنا ومن قتلنا كما حدث أواخر العام 1998 في (مصنع الشفاء).
وكمواطن سوداني عادي -وأظن غيري كثر- لا أدري حتى الآن من أي قاعدة انطلق ذلك السرب من الطائرات التي دكت الأرض دكاً، وجعلت مصنع الشفاء هباء منبثاً. وهل هي حقاً طائرات أمريكية أم إسرائيلية أم تابعة لإحدى جزر القمر؟
أم هي ليست طائرات بل صواريخ مبرمجة انطلقت من قاعدة فلوريدا، أو من إحدى القواعد الثابتة وربما العائمة التي تزنر وتطوق بها أمريكا محيطات وبحار وخلجان العالم في منطقتنا وخارج منطقتنا. حتى الآن ليست لدينا معلومة تشفي الغليل، و لم تزودنا حكومتنا الكريمة بشمعة تضئ عتامة الليل الطويل.
وكما يقال (رحم الله إمري عرف قدر نفسه)، فحتى طائرة (التوبليوف) الكحيانة التي جاءتنا تحوم و (شايلة البشاتن كوم) في وضح النهار بطيئة تتهادى كجرادة العُـشر، وأفرغت حمولتها فوق أمدرمان أوائل ثمانيات القرن الماضي في عهد نظام (المشير) نميري، ورغم أنها قصفت الإذاعة وحلقت فوق مناطق مدنية وعسكرية حساسة، وعادت إدراجها (بنفس التحليق المنخفض وبطء السرعة والصوت المرعد والملعلع) قاطعة في طريق عودتها آلاف الأميال دون أن يصيبها رام بنبلة. وأظن أن المعلومات المتوفرة عنها لدى أمهر خبرائنا العسكريين والأمنيين ولدى زعمائنا السياسيين -وبعضهم طارت فوق رؤوسهم- لا تزيد عن تلك المعلومات التي تم نشرها في قصيدة يا (يا حاج نبينا).
إذن من حقنا أن نسأل رئيسنا (المشير) قبل أن يذهب إلى المحكمة و ننجر جميعاً إلى المصير المشئوم.. هل في وسع السودان التصدي لأي عدوان خارجي، استكباري أو غير استكباري؟ أم أن الدروس السابقة قد فهمت وتم استيعابها عن ظهر قلب؟.
وأياً كانت الإجابة، لماذا يبعث وزير دفاعه ((وهو من هو)) لشراء السلاح؟ ومن هو العدو الذي ستأكله هذه النيران التي دفعنا المليارات لاستجلابها، ونحن جميعاً نعلم بأنه ومنذ أن نال السودان استقلاله وخلال الخمسة عقود الماضية لم يخض الجيش السوداني حرباً حقيقة -ولا ينبغي له- مع أي من دول الجوار التسع.
ولماذا يبعث وزير دفاعه ((وهو من هو)) لشراء السلاح؟
ونحن نعلم بأن جميع (أكرر جميع) ما سبق شراؤه من طائرات ودبابات وذخائر منذ استقلال السودان منتصف القرن الماضي وحتى الآن تم صب هذا البلاء صباً فوق رؤوس وصدور أبناء السودان من الجنوب والشرق والشمال والوسط والغرب.
ولماذا يبعث وزير دفاعه ((وهو من هو)) لشراء السلاح؟
ولم تبق قرية أو حي من أحياء المدن إلا وفيه عدة (قتلى) ، (شهداء) ، (خونة) - سمهم ما شئت- غادروا هذه الدنيا وكان السبب الرئيسي في مغادرتهم هو هذا السلاح الذي نشتريه لنقتل به بعضنا بعضاً.
ولماذا يبعث وزير دفاعه ((وهو من هو)) لشراء السلاح؟
وكم نرصد من مبالغ لميزانية القطاعات العسكرية وللأمن وهل وفرنا حقيقة وفعلاً هذا (الأمن)؟
ولماذا يصمت البرلمان وفيه كل ألوان الطيف السياسي السوداني والخطر يداهم الجميع، حكاماً ومحكومين، معارضين وغير معارضين.
لماذا أولوياتنا دائماً مقلوبة، نرصد ونعتمد في ميزانيتنا للسلاح وللقتل أضعاف ما نرصده من مبالغ للشفاء والدواء والتعليم والتنمية والبناء.
لماذا لا يقرع الجميع الأجراس، ونقول وداعاً أيها السلاح.